الشيخ محمد رشيد رضا

24

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عقيدة النصارى في المسيح والصلب نرى دعاة النصارى المنبثين في بلادنا قد جعلوا قاعدة دعوتهم وأساسها عقيدة صلب المسيح فداء عن البشر ، فهذه العقيدة عندهم هي أصل الدين وأساسه والتثليث يليها . لان أصل الدين وأساسه هو الذي يدعى اليه أولا ، ويجعل ما عداه تابعا له . ولذلك كان التوحيد هو الأصل والأساس لدعوة الاسلام ، ويله الايمان بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم واليوم الآخر ، وكان أول شيء دعا اليه النبي ( ص ) هو كلمة التوحيد ( لا إله الا اللّه ) ودعا أهل الكتاب في كتبه إلى الاسلام بقوله عز وجل ( يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) وبهذا أمره اللّه تعالى . فكان يكتفي في دعوته الأولى لمشركي العرب بتوحيد الألوهية لان شركهم انما كان في الألوهية بعبادة غير اللّه تعالى وهي اتخاذ أولياء يقربونهم اليه زلفى ويشفعون لهم عنده ، بواسطتهم يدفع اللّه عنهم الضر ويسوق إليهم الخير كما كانوا يزعمون . وأما مشركو أهل الكتاب فكان قد طرأ على توحيدهم مثل هذا الشرك في الألوهية باتخاذ المسيح الها واتخاذ غيره من حواريه وغيرهم آلهة بالوساطة والشفاعة ، وطرأ عليه فوق ذلك الشرك في الربوبية باتباعهم لأحبارهم ورهبانهم فيما يحلون لهم ويحرمون عليهم . فدعاهم ( ص ) إلى توحيد الألوهية والربوبية معا . فلو لا أن عقيدة الصلب والفداء هي أصل هذه الديانة النصرانية عند أهلها لما كانوا يبدءون بالدعوة إليها قبل كل شيء أما تقرير هذه العقيدة كما سمعنا من بعض دعاة البروتستانت في بعض المجامع العامة التي يعقدونها للدعوة في مدارسهم ، وفي المجالس الخاصة التي اتفق لنا حضورها مع بعضهم ، فهي أن آدم لما عصى اللّه تعالى بالاكل من الشجرة التي نهاه اللّه عن الاكل منها صار وهو وجميع أفراد ذريته خطاة مستحقين للعقاب في الآخرة بالهلاك الأبدي - ثم أن جميع ذريته جاؤوا خطأة مذنبين فكانوا مستحقين للعقاب أيضا بذنوبهم كما أنهم مستحقون له بذنب أبيهم الذي هو الأصل لذنوبهم . ولما